د. اميرة سالم تكتب: هل يصلح رمضان ما أفسدته نفوسنا طوال العام ؟

كتبت:د اميرة سالم 
يأتي رمضان كلَّ عامٍ حاملاً معه نفحاتٍ من الطمأنينة، ووعودًا بالعودة إلى الذات، ومراجعةِ ما أفسدته الأيام في أرواحنا. فهو في جوهره ليس شهرَ جوعٍ وعطش فقط ، بل شهرُ تهذيبٍ وإعادةِ ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وربّه، وبين الإنسان ومن حوله.
غير أنّ المتأمّل في واقعنا اليوم، يدرك أنّ رمضان لم يسلم من التحوّل التدريجي من حالةٍ روحيّةٍ عميقة إلى موسمٍ اجتماعيٍّ مزدحمٍ بالمظاهر.
لم يكن رمضان يومًا شهرَ الجوع، بل شهرَ اليقظة، ولم يكن الامتناع فيه غايةً، بل وسيلةً لإعادة الإنسان إلى نفسه بعد أن أرهقته الحياة. إنّه الشهر الذي يُفترض أن تخفَّ فيه أوزانُ الأجساد لتخفَّ معها أوزانُ الأرواح، وأن يقلَّ فيه ضجيج الدنيا ليعلو صوتُ الضمير. لكنّ ليبقى السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه اليوم: هل بقي رمضان كما كان، أم أنّه أصبح مجرّد طقسٍ نؤدّيه، لا حالةً نعيشها؟
لقد تغيّر وجهُ رمضان في أعين الكثيرين، حتى كاد يُختزل في مائدةٍ عامرة، وشاشةٍ مزدحمة، وليالٍ مثقلةٍ بالسهر الفارغ. فأصبح شهرُ الصوم شهرَ استهلاك، وشهرُ الزهد موسمًا للتنافس في الامتلاء وغابت المفارقة عن الأذهان: كيف لمن يصوم عن لقمةٍ في النهار، أن يُسرف في أضعافها عند الغروب؟ وكيف لمن يُفترض أن يجوع ليشعر بغيره، أن ينسى غيره تمامًا الآن ؟
نصومُ فلا يبقى من الصومِ غيرُهُ
سوى الجوعِ… أمّا القلبُ فممتلئُ الذنبِ
فالصوم ليس امتناع الجسد فقط، بل امتناع الروح عن كلّ ما يُفسد صفاءها . لكنّ ما يحدث أنّ كثيرين صاموا بأجسادهم، وأفطروا بقلوبهم على ما اعتادوه من غفلة.
لقد أصبح الفانوس أكثر حضورًا من النور الذي خُلق ليرمز إليه، وأصبحت الزينة أكثر بقاءً من الأثر الذي يُفترض أن يتركه الشهر في النفوس. ولم يعد البعض ينتظر رمضان ليقترب من الله، بل لينشغل أكثر بالدنيا، وكأنّ الشهر الذي جاء ليُحرّر الإنسان من عبوديّة العادة، أعاده إليها بشكلٍ جديد.
يقول أبو العتاهية:
ترجو النجاةَ ولم تسلك مسالكها
إنّ السفينةَ لا تجري على اليبسِ
وهنا تكمن الحقيقة القاسية: لا يمكن لرمضان أن يُغيّرنا، إن لم نُرد نحن التغيير. ولا يمكن لشهرٍ واحدٍ أن يُصلح ما أفسدناه بإصرارٍ طوال العام ، إن لم نكن صادقين في الرجوع.
إنّ أخطر ما يواجه رمضان اليوم ليس الإفطار، بل الاعتياد على النعم،و أن يتحوّل من هزّةٍ روحيّة إلى عادةٍ سنويّة، ومن فرصةٍ للنجاة إلى موسمٍ عابر. فالمشكلة ليست في الذين لا يصومون، بل في الذين يصومون ولا يتغيّرون.
سيذهب رمضان، كما ذهب كلّ عام، لكنّه سيترك خلفه سؤالًا واحدًا : هل مرّ علينا… أم مررنا عليه نحن مرور الغافلين؟
فليس الفائز من أدرك رمضان، بل من أدركه رمضان… وأعاده إلى نفسه إنسانًا جديدًا.
يبقى رمضان فرصةً لا تتكرّر إلا مرّةً في العام، فرصةً للنجاة من هذا الزحام، والعودة إلى المعنى الحقيقيّ. فالقضيّة ليست في رمضان نفسه، بل فينا نحن؛ في قدرتنا على أن نراه شهرَ تغيير، لا شهرَ عادة، وشهرَ يقظة، لا شهرَ غفلة.
إنّ رمضان الحقيقيّ لا يُقاس بعدد الموائد، ولا بعدد الفوانيس، بل بعدد القلوب التي تغيّرت، والنفوس التي تصالحت، والأرواح التي عادت إلى نورها الأول .
هكذا كان وهكذا يكون ، فطوبى لمن أدرك رمضان بروحه، لا بمظهره… وبمعناه، لا بعادته.
تغطية قوية على مدار الساعة
ويقدم موقع "البحيرة اليوم "، تغطية قوية على مدار الساعة، ورصد لأهم الأنباء والأخبار المحلية والعالمية، وتغطية خاصة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم، أسعار الدولار، أسعار اليورو، أسعار العملات، أخبار الرياضة، أخبار مصر، أخبار الاقتصاد، أخبار المحافظات، أخبار السياسة، أخبار الحوادث.
كما يتابع "قسم الرياضة بالموقع" أبرز الدوريات العالمية كـ الدوري الإنجليزي، الدوري الإيطالي، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا، دوري أبطال أفريقيا، دوري أبطال آسيا، إضافة إلى أخبار الفن والنقابات المختلفة.. فتابعونا.



