د. أميرة سالم تكتب: الأخلاق لا تهدم

بقلم: دأمير سالم
ليست العِشرة أيامًا تُعدّ، بل أخلاقًا تُختبر، وقلوبًا تعرف كيف تحبّ، وكيف تختلف، وكيف ترحل دون أن تُسيء. فهي تاريخ مشترك من المواقف، وذاكرة ممتدة من الفرح والحزن والخلافات، وخيط خفي يربط بين الأشخاص بمختلف أنواعها ، الأزواج، والأصدقاء، والأخوات، والأحبة ، فيجعل العلاقة أعمق من الكلمات، وأصدق من الوعود.
تظهر مراعاة العِشرة في المشاركة الصادقة في الفرح ، لا في الغيرة المقنّعة. أن نفرح لفرح من نحب، وكأن الخير قد طرق بابنا نحن، لا بابه هو. أن نحمي سعادته من الحسد، ونمنحها دفئًا بدل أن نطفئها ببرود المقارنات. فالعِشرة الحقيقية لا تعرف أنانية الفرح، بل تتسع لتضم قلبين أو أكثر في ابتسامة واحدة.
وفي الحزن والشدة ، تختبر العِشرة معدنها الأصيل. وهنا تكتشف الوجوه الحقيقية ، لا تكفي الكلمات الرنّانة، ولا الخطب الطويلة. يكفي فقط حضور صامت، ويد تمسك بيد ، وصدر يتسع للوجع دون أسئلة.
وعند المصائب، تُوضَع العِشرة على محكٍّ أشد قسوة. فالمصيبة إما أن توحِّد القلوب، أو تكشف هشاشتها. هناك بيوتٌ تتحول فيها الشدة إلى رباطٍ أوثق، فيتقاسم أهلها الوجع كما تقاسموا الفرح، وهناك دورٌ أخرى تنهار عند أول اختبار، لأن العِشرة فيها كانت قائمة على المصلحة لا على المشاركة، وعلى المجاملة لا على الالتزام الإنساني.
مراعاة العِشرة وقت الخلاف والمحن ليست ضعفًا ولا تنازلًا مهينًا، بل هي سموٌّ أخلاقيٌّ ووعيٌ بقيمة الإنسان قبل الموقف.
مراعاة العِشرة في الحزن أن لا نحمّل المكسور ذنب انكساره، وأن نصبر على صمته، ونحتمل ثقله، لأن بعض الألم لا يُشفى إلا بالوقت والاحتواء.
أما الخلافات، فهي المحك الأصعب، إذ تسقط الأقنعة وتظهر النفوس على حقيقتها. مراعاة العِشرة هنا أن نتذكّر لحظات الودّ ونحن غاضبون، وأن نزن الكلمات قبل أن نطلقها كسهام القاتلة . أن نختلف دون أن نُهين، ونعاتب دون أن نكسر، ونغضب دون أن ننسى فضل الأيام التي جمعتنا في يوم ما . فكم من علاقة هدمها لسان متعجل، وكم من عشرة نجت لأن أحدهم اختار الصمت احترامًا لما كان.
ونحفظ الأسرار، لا لأنها خافية، بل لأنها كانت يومًا أمانة. ولا تُستخرج أسراره كسلاح في معركة خاسرة. الكلمة التي نملكها عن الآخرين قد تجرحهم، لكنها تفضح أخلاقنا قبل أن تمسّهم. ومراعاة العِشرة أن نغلق الأبواب بهدوء، ونرحل دون أن نترك ضجيجًا أو حطامًا بعدنا ، وأن نصون الستر ونحفظ الجميل.
– ليست بيوت الناس جدرانًا ترى
– لكنها بالعشرة الغراء تحفظ
– وعند الشدائد يعرف المعدن الأصيل
– فإما وداد ، أوجفاء يفضح .
وحتى إذا جمعتنا الأيام ف يوم ما صدفة بعد طول غياب، نستطيع أن نلتقي بسلام ، ويد تمتدّ بلا ثِقل، وابتسامة تعرف أن الماضي كان يومًا من الأيام وطنًا ،حتى وإن لم يعد. فالعلاقات الراقية قد تنتهي، لكنها لا تتحوّل إلى عداوات، ولأن من يعرف قيمة العِشرة، يعرف أن السلام أرفع من الخصام، وأن الكرامة أجمل حين تُصافح.
مهما تبدّلت القلوب وتغيّرت المسارات، يبقى الاحترام المتبادل واجبًا لا يسقط. كما بدأت العلاقات ف البدايات على حب ومودّة، ينبغي أن تُختتم بوعي وأخلاق.
ليست النهايات انتقامًا، ولا تصفية حسابات، بل مرآة لما تربّينا عليه، ودليل نضجنا الإنساني. أن نُحسن الخروج كما أحسنّا الدخول، وأن نصون الودّ ولو انطفأ، لأن البدايات حبّ، والاستمرار فيها وفاء، والنهايات تظهر أخلاق أصحابها .
وفي النهاية، تبقى الدار الفناء مرآة لأخلاق ساكنيها، والعِشرة سجلًّا حقيقيًا لإنسانيتهم. فمن حفظ العِشرة وقت الخلاف، وصانها وقت المصائب، أثبت أن بيته لم يكن مأوى أجساد فقط، بل كان بيته وطنًا للقلوب .
تغطية قوية على مدار الساعة
ويقدم موقع "البحيرة اليوم "، تغطية قوية على مدار الساعة، ورصد لأهم الأنباء والأخبار المحلية والعالمية، وتغطية خاصة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم، أسعار الدولار، أسعار اليورو، أسعار العملات، أخبار الرياضة، أخبار مصر، أخبار الاقتصاد، أخبار المحافظات، أخبار السياسة، أخبار الحوادث.
كما يتابع "قسم الرياضة بالموقع" أبرز الدوريات العالمية كـ الدوري الإنجليزي، الدوري الإيطالي، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا، دوري أبطال أفريقيا، دوري أبطال آسيا، إضافة إلى أخبار الفن والنقابات المختلفة.. فتابعونا.


