
بقلم اماني القباني
في إحدى مدارس القاهرة، يستيقظ أحمد كل صباح وهو يتمنى لو أن المدرسة تحترق. ليس لأنه يكره التعليم، بل لأن زملاءه حولوا حياته إلى جحيم يومي. يسخرون من وزنه، يدفعونه في الممرات، ويلتقطون صوراً له في أوضاع محرجة لنشرها على مجموعات الواتساب. أحمد ليس وحده، فهو واحد من ملايين الأطفال حول العالم الذين يعانون من ظاهرة التنمر التي تحولت من مشكلة فردية إلى وباء اجتماعي يهدد جيلاً بأكمله.
ما هو التنمر؟ أكثر من مجرد “مزاح أطفال”
التنمر ليس مجرد شجار عابر بين أطفال، كما يعتقد البعض متهاوناً. إنه سلوك عدواني متكرر يمارسه شخص أو مجموعة ضد آخر أضعف منهم، بهدف إيذائه جسدياً أو نفسياً أو اجتماعياً. يقول الدكتور محمد الشافعي، استشاري الطب النفسي للأطفال: “التنمر هو استغلال منهجي لعدم توازن القوة. المتنمر يعرف أن ضحيته لا تستطيع الدفاع عن نفسها، ويستمتع بهذه السلطة الزائفة”.
تتعدد أشكال التنمر من الضرب والدفع إلى السخرية والإهانة، من العزل الاجتماعي إلى نشر الشائعات، ومؤخراً ظهر شكل جديد أكثر خطورة: التنمر الإلكتروني، حيث يطارد المتنمرون ضحاياهم على مدار الساعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، محولين الإنترنت من نافذة على العالم إلى سجن رقمي لا فكاك منه.
أرقام مفزعة تكشف حجم الكارثة!!
الإحصاءات العالمية تكشف عن واقع مرعب. تشير منظمة اليونيسف إلى أن طفلاً من كل ثلاثة أطفال في العالم يتعرض للتنمر في المدارس. في العالم العربي، تظهر دراسات محلية أن النسبة قد تتجاوز 40 بالمئة في بعض المناطق. الأكثر إثارة للقلق أن 70 بالمئة من حالات التنمر تحدث بعيداً عن أعين المعلمين والآباء، وأن غالبية الضحايا لا يبلغون عما يحدث لهم خوفاً من الانتقام أو خجلاً أو اعتقاداً بأن لا أحد سيساعدهم.
لماذا يتنمر الأطفال؟ رحلة إلى عقل المتنمر
خلف كل متنمر قصة. الدكتورة سارة عبدالله، أخصائية تعديل السلوك، توضح أن المتنمرين غالباً ما يكونون ضحايا لظروف قاسية: “معظم الأطفال المتنمرين يعانون من مشاكل أسرية، عنف منزلي، إهمال عاطفي، أو كانوا هم أنفسهم ضحايا تنمر سابق. التنمر بالنسبة لهم وسيلة لاستعادة السيطرة التي فقدوها في حياتهم”.
بعض المتنمرين يبحثون عن الشعبية والقوة، آخرون يعانون من قلة تقدير الذات ويحاولون رفع أنفسهم بإذلال الآخرين. البعض ببساطة لا يدركون خطورة أفعالهم ولم يتعلموا التعاطف. والأخطر أن مجتمعاتنا أحياناً تمجد القوة والعدوانية وتعتبرها علامة على الرجولة أو الشخصية القوية، مما يغذي ثقافة التنمر.
الجروح غير المرئية: تأثير التنمر المدمر
“ابني أصبح شخصاً آخر”، تقول أم لطفل تعرض للتنمر المستمر. “كان مرحاً محباً للحياة، الآن يرفض الذهاب للمدرسة، يعاني من كوابيس، ولا يريد أن يأكل. أحياناً أسمعه يبكي في غرفته وحيداً”. هذه ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في آلاف البيوت.
التنمر يترك آثاراً نفسية عميقة قد تستمر مدى الحياة. الضحايا يعانون من القلق والاكتئاب، انخفاض التحصيل الدراسي، اضطرابات النوم والأكل، والعزلة الاجتماعية. في الحالات الشديدة، قد يصل الأمر إلى إيذاء النفس أو حتى التفكير في الانتحار. دراسة حديثة أظهرت أن ضحايا التنمر في الطفولة أكثر عرضة بثلاث مرات للإصابة باضطرابات نفسية في مرحلة البلوغ.
لكن الضرر لا يقتصر على الضحية. المتنمرون أنفسهم يدفعون ثمن سلوكهم. الأبحاث تشير إلى أنهم أكثر عرضة للتورط في العنف والجريمة، إدمان المخدرات، الفشل الدراسي والمهني، وعلاقات اجتماعية مضطربة. حتى الشهود الذين يشاهدون التنمر دون تدخل يعانون من مشاعر الذنب والخوف وانعدام الأمان.
التنمر الإلكتروني: الوحش الرقمي الجديد
إذا كان التنمر التقليدي ينتهي عند باب المدرسة، فإن التنمر الإلكتروني لا يعرف حدوداً زمنية أو مكانية. رسالة مهينة في منتصف الليل، صورة محرجة تنتشر كالنار في الهشيم، إشاعة كاذبة تصل لمئات الأشخاص في ثوانٍ. الضحية محاصرة في كل مكان، في غرفة نومها التي كانت ملاذها الآمن.
يقول خبراء التكنولوجيا إن التنمر الإلكتروني أخطر لأسباب عديدة: الانتشار السريع والواسع، الديمومة حيث يبقى المحتوى المسيء على الإنترنت للأبد، صعوبة السيطرة عليه، وشعور المتنمر بالحماية خلف الشاشة مما يجعله أكثر قسوة. فتاة في السادسة عشرة حاولت الانتحار بعد انتشار فيديو مفبرك لها على الإنترنت. قصتها تتكرر يومياً بأشكال مختلفة.
علامات تحذيرية: كيف تعرف أن طفلك يتعرض للتنمر؟
الأطفال نادراً ما يطلبون المساعدة مباشرة، لكنهم يرسلون إشارات. الدكتورة نادية حسن، مستشارة تربوية، تنصح الآباء بمراقبة هذه العلامات: رفض الذهاب للمدرسة فجأة، انخفاض مفاجئ في التحصيل الدراسي، تغيرات في الشهية أو النوم، عودة الطفل بملابس ممزقة أو أدوات مفقودة، انعزال اجتماعي وتوقف عن الخروج مع الأصدقاء، تغيرات مزاجية حادة، خدوش أو كدمات غير مبررة، وقضاء وقت أطول على الإنترنت مع ردود فعل عاطفية قوية.
المواجهة: دور الأسرة والمدرسة والمجتمع
مواجهة التنمر مسؤولية جماعية. الأسرة هي خط الدفاع الأول. يجب على الآباء بناء جسور تواصل مفتوحة مع أطفالهم، الاستماع دون حكم، تعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتعليمهم المهارات الاجتماعية والحزم دون عدوانية. عندما يتعرض الطفل للتنمر، يحتاج للشعور بالدعم الكامل، وليس اللوم أو التقليل من مشاعره.
المدارس يجب أن تتحول من مجرد أماكن للتعليم الأكاديمي إلى بيئات آمنة تحتضن الجميع. ضرورة وضع سياسات واضحة وصارمة ضد التنمر، تدريب المعلمين على اكتشاف الحالات والتعامل معها، تشجيع الطلاب على الإبلاغ، وإدماج برامج تعليم التعاطف والمهارات الاجتماعية في المنهج. المدرسة التي تتسامح مع التنمر تصبح شريكة فيه.
المجتمع كله بحاجة لتغيير ثقافته. يجب أن نتوقف عن تطبيع العنف وتبرير التنمر بعبارات مثل “الأولاد كده” أو “هيتعلم يعتمد على نفسه”. نحتاج لإعلام مسؤول يناقش القضية بجدية، قوانين تحمي الضحايا وتحاسب المتنمرين، ومؤسسات مجتمعية توفر الدعم النفسي والاجتماعي.
قصص أمل: عندما ينتصر الضحايا
ليست كل القصص مأساوية. منى كانت ضحية تنمر شرس في المرحلة الإعدادية بسبب ضعف بصرها. اليوم، هي طبيبة عيون ناجحة وناشطة ضد التنمر. تقول: “التنمر لم يحطمني، بل جعلني أقوى وأكثر تصميماً. استخدمت ألمي لمساعدة الآخرين”. قصص مثل منى تذكرنا بأن الشفاء ممكن، وأن الضحايا يمكن أن يتحولوا إلى ناجين وحتى أبطال.
العديد من المدارس التي طبقت برامج شاملة لمكافحة التنمر شهدت انخفاضاً يصل إلى 50 بالمئة في حوادث التنمر. المفتاح هو الاستمرارية والجدية والمشاركة الفعالة من الجميع.
رسالة اخيرة
التنمر ليس مشكلة فردية يجب على الضحية التعامل معها وحدها، ولا هو مجرد “مرحلة” سيتجاوزها الأطفال. إنه انتهاك لحق الطفل في الأمان والكرامة، وجريمة أخلاقية واجتماعية يجب أن نتصدى لها جميعاً.
إذا كنت ضحية تنمر، اعلم أنك لست وحدك ولست ضعيفاً. ما يحدث لك ليس خطأك، ولك الحق في طلب المساعدة. تحدث لشخص تثق به، والصمت ليس حلاً بل هو جزء من المشكلة.
إذا كنت والداً، افتح باب الحوار مع أطفالك اليوم، ليس غداً. اسألهم عن يومهم، استمع لهم حقاً، راقب التغيرات، وكن المرفأ الآمن الذي يلجأون إليه.
إذا كنت معلماً، عينك الساهرة قد تنقذ حياة. لا تتجاهل، لا تقلل، تدخل وساند.
وإذا كنت شاهداً على تنمر، فصمتك اختيار. كن الصوت الذي يقف مع الضحية، كن التغيير الذي تريد أن تراه.
التنمر يزدهر في الصمت، ويموت بالمواجهة. معاً، يمكننا بناء مجتمع يحتضن جميع أطفالنا، ونحول مدارسنا من ساحات خوف إلى فضاءات أمل وتعلم حقيقي.
الطفولة يجب أن تكون زمن اللعب والاكتشاف والأحلام، لا زمن الخوف والألم والكوابيس. حان الوقت لنعيد لأطفالنا حقهم في طفولة سعيدة آمنة.
تغطية قوية على مدار الساعة
ويقدم موقع "البحيرة اليوم "، تغطية قوية على مدار الساعة، ورصد لأهم الأنباء والأخبار المحلية والعالمية، وتغطية خاصة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم، أسعار الدولار، أسعار اليورو، أسعار العملات، أخبار الرياضة، أخبار مصر، أخبار الاقتصاد، أخبار المحافظات، أخبار السياسة، أخبار الحوادث.
كما يتابع "قسم الرياضة بالموقع" أبرز الدوريات العالمية كـ الدوري الإنجليزي، الدوري الإيطالي، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا، دوري أبطال أفريقيا، دوري أبطال آسيا، إضافة إلى أخبار الفن والنقابات المختلفة.. فتابعونا.


