ماهر المنزلاي يكتب: الفراغ يولد الإستعمار

الأربعاء, 13 أكتوبر 2021, 9:39 م

بقلم: ماهر المنزلاوي

إن إستغلال أوقات الفراغ، وإعادة هيكلة النفس، وترتيب الأفكار، وتحديد الأهداف، ورسم الخطط، واستقبال النهوض، واستدبار الركود، جل ما دعا إليه ديننا الإسلامي الحنيف ، وحرصت عليه الديانات السماوية الأخرى.

وقال تعالى” أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى” ، ومصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة و الفراغ” ، والحديث الذي ذكر فيه “لن تزلا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل – وذكر منها- عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه” .

ويمثل الفراغ الآفة الكبرى والمصيبة العظمى لدى الكثير من الدول، وخاصة دول العالم الثالث ، وفيه يغبن المرء، وعنه يحاسب ، وبإستغلاله ينمو ، وبإضاعته يفشل، وهوطوق يٌؤّدِي بالحياة، وفيه سمٌ قاتل ، وهو من أهم المشاكل التي تواجه الشباب من الجنسين ، واضحت الغالبية العظمى منهم ، لا يعير للوقت بالاََ ، ولا يولي له اهتماماً ، ولا يمثل الإرتقاء والنمو لهم هدفاً ، وأصبحوا معاول هدم لأنفسهم وأسرهم ومجتمعهم .

ولا شك أن الفراغ الناتج عن غياب دور المجتمع والأسرة في بناء وتوجيه ومراقبة الشباب وتأهيله فكرياً وعلمياََ لخدمة بلده ونفسه ، لأشدٌ خطراً من ذلك الإستعمار الخارجي بكل صوره وأشكاله ، فلم يعد التدخل العسكري والسيطرة المادية على الدول ، هو الغاية التي تهدف إليها الدول الكبرى بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية ، وإنما أصبح هناك استعمار فكري و ثقافي ومعنوي ، دون استعمال للغة الحرب والسلاح ، وإنما خلق جيل جديد من بني جلدتهم يحمل أفكارهم و معتقداتهم وامالهم ويدافع عنها .

إن هذا الغياب سوف ينتح عنه مخاطر كثيرة ومشاكل عظيمة ، من فقدان الدولة أهم أسلحتها وطاقاتها في البناء والتنمية والنهوض ومواكبة التقدم والازدهار ، ويصبح من أهم الأسباب التي يتولد عنها جيل منهزم نفسياً وعاطفياً ، يميل إلى الانطواء والعزلة ، حاجم عن المشاركة والاندماج في المجتمع ، فيشعر أنه عضو غير مرغوب فيه ، سواء من الأسرة أو المجتمع ، الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن بدائل أخرى لملأ هذا الفراغ ، مما يجعلهم فريسة سهلة لاستغلال جماعات الإنحراف وقوى التطرف والإرهاب .

ومن أهم وأوضح صور الفراغ التي يعاني منها أفراد المجتمع ، الفراغ العاطفي ، والذي لا يتوقف عند صعوبة الارتباط بالشخص التي تهوى إليه النفس ، ويركن له الفؤاد ، وتتمايل إليه الجوارح ، وإنما الشعور الأصعب ، هو فقدان بعض الأحبة، وقد يتمثل عند الزوجة بمشاعر التجاهل وعدم الشعور، وأنها أصبحت بلا قيمة عند زوجها، مما يجعلها تتجه إلى البحث عن بديل لسد هذا الفراغ العاطفي، غير عابئة بالمشاكل والأضرار التي تنتج عن هذة العلاقة الآثمة ، وقد تكون سببا في زيادة معدلات الجريمة، والتي تؤدي في النهاية إلى تدمير العلاقة الزوجية وتدمير المجتمع بأسره .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.